مجمع البحوث الاسلامية
576
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
واللّام الدّاخلين في اللّفظ لا يفيدان العموم ، ثمّ الّذي يهدم قوّة هذا الكلام وجهان : الأوّل : أنّ قدرة العبد وداعيته صالحة للصّلاح والفساد ، فترجّح الفساد على الصّلاح ، إن وقع لا لعلّة لزم نفي الصّانع ، وإن وقع لمرجّح فذلك المرجّح لا بدّ وأن يكون من اللّه ، وإلّا لزم التّسلسل . فثبت أنّ اللّه سبحانه هو المرجّح لجانب الفساد على جانب الصّلاح ، فكيف يعقل أن يقال : إنّه لا يريده . والثّاني : أنّه عالم بوقوع الفساد ، فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال : إنّه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا ، وذلك محال . ( 5 : 221 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 2 : 200 ) القرطبيّ : قيل : معنى لا يحبّ الفساد ، أي لا يحبّه من أهل الصّلاح ، أو لا يحبّه دينا ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به ، واللّه أعلم . ( 3 : 18 ) الخازن : واحتجّت المعتزلة بهذه الآية على أنّ المحبّة عبارة عن الإرادة . وأجيب عنه : بأنّ الإرادة معنى غير المحبّة ، فإنّ الإنسان قد يريد شيئا ولا يحبّه ؛ وذلك لأنّه قد يتناول الدّواء المرّ ولا يحبّه ، فبان الفرق بين الإرادة والمحبّة . وقيل : إنّ المحبّة مدح الشّيء وتعظيمه ، والإرادة بخلاف ذلك . ( 1 : 162 ) أبو حيّان : إن فسّرت المحبّة بالإرادة ، وقد جاءت كذلك في مواضع منها إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ النّور : 19 فلا بدّ من التّخصيص ، أي لا يحبّ من أهل الصّلاح الفساد ، ولا يمكن الحمل على العموم ؛ إذ ذاك على مذهبنا لوقوع الفساد ، فلو لم يكن مرادا لما كان واقعا . وقد تعلّقت المعتزلة بهذه الآية : في أنّ اللّه لا يريد الفساد ، فما وقع منه فليس مراد اللّه تعالى ولا مفعولا له ، لأنّه لو فعله لكان مريدا له ، لاستحالة أن يفعل مالا يريد . قالوا : أو يدلّ على أنّ محبّته الفعل هي إرادته له ، أنّه غير جائز أن يحبّ كونه ولا يريد أن يكون بل يكره أن يكون ، وفي هذا ما فيه من التّناقض ، انتهى ما قالوا . وقيل : المعنى واللّه لا يحبّ الفساد دينا ، وقيل : هو على حذف مضاف ، أي أهل الفساد . وقال ابن عبّاس : المعنى لا يرضى المعاصي ، وقيل : عبّر بالمحبّة عن الأمر ، أي لا يأمر بالفساد . وقال الرّاغب : الإفساد : إخراج الشّيء من حالة محمودة لا لغرض صحيح ، وذلك غير موجود في فعل اللّه تعالى . وهذه التّأويلات كلّها هو على ما ذهب إليه المتكلّمون من أنّ « الحبّ » بمعنى الإرادة . [ ثمّ نقل قول ابن عطيّة وقال : ] وإذا صحّ هذا اتّضح الفرق بين الإرادة والمحبّة ، وصحّ أنّ اللّه يريد الشّيء ولا يحبه . وقال بعضهم سوى المعتزلة : [ فرق ] بين المحبّة والإرادة ، واستدلّوا بهذه ، وجمهور العلماء على خلاف ذلك . والفرق بين الإرادة والمحبّة بيّن ، فإنّ الإنسان يريد بطّ الجرح ولا يحبّه ، وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبّة بطل ادّعاؤهم التّساوي بينهما ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ الزّمر : 7 ،